محمد محمد أبو ليلة
222
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
النسخ بعد موت النبي صلى اللّه عليه وسلم ولا أحد من المسلمين يقول بذلك أبدا ، لأن اللّه - وهو المشرع - هو الذي ينسخ حكم نفسه أو أمره بحكم نفسه أو أمره ؛ ولا يكون هذا إلا في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم . ويذكر الطحاوي في " مشكل الآثار " أن أحدا لم يورد هذا الحديث غير عبد اللّه بن أبي بكر وهو وهم منه « 1 » ؛ وبهذا يكون الطحاوي قد اقتلع بقوة الدليل هذه المشكلة من أساسها . وعند الحارث بن أسد المحاسبي " أن كلام اللّه الذي جاء بالحكم الأول هو كلامه ، ( لا غير ) وواجب على العباد أن يؤمنوا به أنه حق وأنه من القرآن ، من كفر به فهو كافر ومن آمن به فهو مؤمن وأن عليهم ألا يخرجوا جميعا من حفظه ، ولا يجوز له أن يسقط من القرآن ، فلا يقرأ ولا يتلى ، وإنما سقط فرض الآية ، ولم يبطل النص . ولا يقول مؤمن : قد أبطل اللّه عز وجل الآيات التي كانت هذه الأحكام كلها فيها واجبات ، فيكون كلاما باطلا . فالكلام الذي نسخ منه الحكم ، والكلام الذي ثبت به الحكم الثاني كلام اللّه حق وصدق ، لا باطل ولا كذب " « 2 » . وإذن فما نسب إلى السيدة عائشة من قولها " كان فيما أنزل اللّه عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس معلومات ، فتوفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهن مما يقرأ قرآنا " ، غير صحيح على الإطلاق . وفوق هذا كله ، فإن مثل هذا الكلام ليس فيه نور القرآن ولا حلاوته ولا طلاوته ، ثم إنه روى من طرق عدة ، وباختلاف في العبارات والروايات ، وليس في القرآن لا عشر رضعات ، ولا خمس رضعات ؛ ثم ما الداعي أن يعطى الحكم في القرآن ثم ينسخ ، والنص نفسه محفوظ مع أن السنة لها القوة نفسها في التحليل والتحريم كالقرآن ؟ ثم إن تحديد عدد الرضعات بعدد معين ، من التفصيلات التي اختصت بها السنة وليس القرآن . ولو فتحنا الباب أمام مثل هذه الدعاوى لأدخل على القرآن ما ليس منه وخرج منه ما هو منه ؛ على أنه لو كان مثل هذا الكلام قرآنا لأمكن معارضته والإتيان بمثله ؛ وقد جعل اللّه ذلك ممتنعا على الإنس والجن معا أو منفردين ، يضاف إلى ذلك ، أن آية الرضاعة المنسوبة إلى السيدة
--> ( 1 ) الطحاوي مشكل الآثار 3 / 6 والنووي على مسلم 10 / 29 . ( 2 ) العقل أو فهم القرآن ص ص 367 - 368 .